حسن الأمين
133
مستدركات أعيان الشيعة
لوقته ، ورآه غلام معي ، فعسقه ، ولم يزل يلح فيه ، إلى أن خفت عليه الهلكة منه ، فجعلته معه في البيت ، فصبر الغلام معها على ذلك ، وزاوجها ، وأحبلها ، فولدت غلاما ، وتربى ، إلا أن خلقته كخلقة الإنسان ، وفي جبهته شيء يلمع ، ليس كالأم ، فلم أر شيئا قط أعجب من أمره ، فلما أن كبر الصبي ورأيت ميل الأم إليه ميلا عظيما ، وهي مع ذلك لا تتكلم مع طول المدة بكلمة واحدة ، أكثر من الهمهمة شيئا لا صوت له إلا خفي جدا ، أمنا أن ترمي بنفسها في الماء ، فجعلت تدخل وتخرج ، وللمركب جوانب عالية ليس تلحق أن تظفر منها ، فلم تزل تؤانسنا وترتقي من موضع إلى موضع ، حتى إذا وثقت بانا أمناها صعدت ورمت بنفسها في الماء ، فجزع الغلام - زوجها - عليها ، فاخذ الغلام ابنه معه ، وهو مع ذلك لا يتكلم ، فلما أن سرنا بعد ذلك ، وقعنا في شدة عظيمة لا فرجة لها فإذا نحن بالطبيب - طبيب البحر - جالس على الماء ، ليس منه شيء غائصا ، وإذا هي تومئ بالسلام ، فأومأ الناس إليها كلهم ، وأقبل القوم يقولون لها : ما الحيلة ؟ وقوم يدعون ، وقوم يبكون ، وكل قوم في فن من الفنون ، فأومأت إليهم بشيء من الأشياء ، فإذا الغلمان قد ألقوا الأناجر ، وإذا الأناجر لا تثبت ، إلى أن ثبت منها ثلاثة أناجر ، وإذا البحر قد انقلب ، وإذا هي سمكة قد فتحت فمها والماء يدخل إليها كأعظم ما يكون من البحار ، وإذا نحن قد توهمنا أن شق فمها الأعلى جبل عظيم في البحر ، قد أخذ البحر من أوله إلى آخره ، فلم نشك حين رأيناها أنها تطبق فمها علينا فنكون في بعض أضراسها إلى أن كفى الله تعالى ، ثم انفلت الصبي فوقع إلى الماء ، فلما أن كان من غد ، ظهر ، فإذا جبهته قد صارت حجرا ، فلم أزل إلى أن صدت من الأطباء ثلاثة ، فأخذت جبهة واحد وألقيته ، فنظرت إلى صبغه ، ففكرت حينئذ في قدرة البارئ عز وجل كيف عدل هذا الموضع من هذا الحيوان بما لم يمكن أحدا من الناس - أو كلهم لو اجتمعوا على ذلك ما قدروا عليه ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، فناديت أن لا إله إلا أنت سبحانك ، ربنا وتعاليت عما يقول المبطلون ( 1 ) . ابتهال العلماء : أتريد أن تكون باحثا عالما ؟ إذن فهاك وصية يراها جابر كبيرة النفع للسالكين في سبيل العلم - علم الموازين وتركيب الطبائع على الجوهر تركيبا من شانه أن ينتج لنا كل ما أردناه من كائنات ، يقول جابر في ذلك : إني كنت آلفت سيدي ( 2 ) - صلوات الله عليه - كثيرا ، وكنت لهجا بالأدعية وبخاصة ما كان يدعو به الفلاسفة ، وكنت أعرضه عليه ، وكان منها ما استحسنه ، ومنها ما يقول عنه : الناس كلهم يدعون بهذا وليس فيه خاصية ، فلما أكثرت عليه علمني هذا الدعاء ، وهو من جنس دعاء الفلاسفة ، بل أنه لا فرق بينه وبين ما يدعو به الفلاسفة ، غير أنه قد اختار من دعاء الفلاسفة أجزاء ، وأضاف إليه أجزاء ، وقال لي : لا يتم لك الأمر إلا به ، وعندي أنه لا يتم لأحد ممن قرأ كتبي خاصة إلا به ، إن أزل صورة الشيطان عن قلبه وترك اللجاج واستعمل محض الإسلام والدين والنية الجميلة ، أما ما دام الشيطان يلعب به ، ويزله قصدا ، فليس ينفعه شيء ، وذلك أن اللجاج ليس هو من الشيطان وحده ، إنما هو من فساد النية ، فاتق الله يا هذا في نفسك ، واعمد إلى ما أوصيك به . . . وهذه هي الوصية : ابدأ بالطهر ، بان تفيض على بدنك ماء نظيفا في موضع نظيف ، ثم تلبس ثيابا طاهرة نظيفة ، لا تمسها امرأة حائض ، ثم تستخير الله ألف مرة ، وتقول في استخارتك : اللهم إني أستخيرك في قصدي ، فوفقني وأزغ الشيطان عني ، إنك تقدر عليه ولا يقدر عليك ، فإذا قلت ذلك ألف مرة ، عمدت إلى موضع طاهر نظيف ، وابتدأت فكبرت الله وقرأت الحمد و * ( قل هو الله أحد ) * مائة مرة ، وركعت وسجدت ، ثم قمت وصليت مثل ذلك ، ثم تشهدت وسلمت ، ثم قرأت في الركعتين الثانيتين مائة مرة * ( إذا جاء نصر الله والفتح ) * ، وإذا سلمت أعدت مثل الركعتين الأوليين ، وقرأت * ( قل هو الله أحد ) * مائة مرة ، ثم أعدت اثنتين أخرى * ( باذا جاء نصر الله والفتح ) * ، ثم صليت ركعتين أخريين ، وهما تمام العشر ، وقرأت سورة سورة ، ثم أتممت صلاتك ، وإياك أن تكلم أحدا في خلال ذلك ، ويشغلك شاغل ، وأحرى المواضع بك الصحاري الخالية حتى لا يكلمك أحد البتة ، ثم اجلس وقل بعد أن تمد يديك إلى الله تعالى : اللهم إني قد مددتهما إليك طالبا مرضاتك ، وأسألك ألا تردهما خائبتين ، وتبدأ وتقول : اللهم أنت أنت ، يا من هو هو ، يا من لا يعلم ما هو إلا هو ، اللهم أنت خالق الكل ، اللهم أنت خالق العقل ، اللهم أنت واهب النفس النفسانية ، اللهم أنت خالق العلة ، اللهم أنت خالق الروح ، اللهم أنت قبل الزمان والمكان وخالقهما ، اللهم أنت فاعل الخلق بالحركة والسكون وخالقهما ، اللهم إني قصدتك فتفضل علي بموهبة العقل الرصين ، وإرشادي في مسلكي إلى الصراط المستقيم ، اللهم بك ، فلا شيء أعظم منك ، نور قلبي وأوضح لي سبيل القصد إلى مرضاتك ، اللهم إني قصدتك ونازعتني نفساي ، نفسي النفسانية نازعتني إليك ، ونفسي الحيوانية نازعتني إلى طلب الدنيا ، اللهم فيك ، لا أعظم منك ، يا فاعل الكل ، صل على محمد عبدك ورسولك وعلى آله وأصحابه المنتجبين ، واهد نفسي النفسانية إلى ما أنت أعلم به من مرادها منها ، وبلغ نفسي الحيوانية منك غاية آمالها فتكون عندك ، إذا بلغتها ذلك فقد بلغتها الدنيا والآخرة ، أنه سهل عليك ، اللهم إني أعلم أنك لا تخاف خللا ولا نقصانا يوهنك برحمتك وكرمك ، هب لي ما سألتك من الدنيا والآخرة ، اللهم يا واهب الكل فاجعل ذلك في مرضاتك ولا تجعله فيما يسخطك ، اللهم واجعل ما يرزقني عونا على أداء حقوقك وشاهدا لي عندك ، ولا تجعله شاهدا علي ولا عونا على طلب ما يعرضك عني ، اللهم يا خالق الكل أنت خلقت قلبي ، وأنت خلقت الشيطان ولعنته بما استحقه وأمرتنا أن نلعنه ، فاصرفه عن قلب وليك أنت ، وأعني على ما أقصد له من كيت وكيت - واذكر حاجتك في هذا الموضع - فإذا فرغت من سائر ما تريده فعفر خديك على الأرض ، ثم قل في تعفيرك : خضع وجهي الذليل الفاني لوجهك العزيز الباقي ، قله عشر مرات ، ثم اجلس مليا ، وقم فتوجه وكبر واقرأ الحمد وسورة * ( ألم نشرح لك صدرك ) * ، وأقرأها في الركعة الثانية ، فإذا سلمت قل :
--> ( 1 ) كتاب السبعين ، مقالة 60 . ( 2 ) المقصود هو جعفر الصادق .